القيم الاسلامية الجزءالرابع عشر الكتاب و السنة

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه اجمعين . وبعد 1 / مفهوم الإخاء :
الأصل في الإخاء انه اشتراك الطرفين في الولادة القريبة أو البعيدة . أما القريبة فمثل موسى وهارون عليهما السلام ، فقد كان بينهما إخاء في الأب والأم قال تعالى مخبرا عنهما : { وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي } قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : { قَالَ ابْنَ أُمَّ } كان ابن أمه وأبيه وقال ابن كثير : شقيقه لأبيه وأمه وهذا هو الإخاء في النسب القريب . و أما البعيد فمثل عاد وهود ، قال تعالى : { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } قيل : أخوهم في القبيلة ، وقيل : بشر من بني أبيهم آدم والمراد بالإخاء هنا ، الإخاء في الدين والحرمة ، وهو أن يتآخى مجموعة من الناس في العقيدة ، ويشتركوا في الدين ، قال تعالى : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } وقد وصف الله المؤمنين بأنهم إخوة ، قال تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } وإنما وصفهم بالاخوة ، لأن كل واحد منهم يتوخى مذهب أخيه ويقصده فلا يفارقه اعتقادا ، وعملا ، وسلوكا .
ونحن إذا دققنا النظر في مسمى الإخاء ومدلوله اللغوي والشرعي ، وجدنا أنه تنتظمه ثلاثة أنواع :
أ-أخوة في النسب والقرابة ، وهي المراد في باب المواريث ، مثل قوله تعالى : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } وكل إنسان يولد مزودا بها .
ب-أخوة في الآدمية والإنسانية ، وهي المراد في مطلق الإنسان ، أو بني آدم ، أو النوع قال تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } قال ابن كثير : استدل بهذه الآية الكريمة على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة أي استدل بها من قال بأن بني آدم -و هم جنس البشر -أفضل من الملائكة . وقال تعالى : { يا أيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } أي جميع الناس مؤمنهم وكافرهم ، نسيبهم ودعيهم ، قريبهم وبعيدهم ، حاضرهم وغائبهم .
ج-أخوة في الدين والعقيدة ، وهذه هي المرادة في باب الإيمان وفروعه ، كقوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } وقوله تعالى : { فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } أي أصبحتم بالإسلام إخوانا متحابين بجلال الله تعالى ، متواصلين في ذات الله ، متعاونين على البر والتقوى وفي الحديث : « المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره » وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على هذا النوع من الأخوة .
لماذا بني الإسلام الأخوة على أساس الإيمان دون النسب والجنس ؟
إن الإسلام لم يبن الأخوة على النسب والجنس لكونهما مبنيين على الالتقاء الجسدي المادي وهو لا يكون جماعة قوية متماسكة ، تصمد لعواصف التمزق والتفرق ، ورياح الاختلاف والتنازع ، لا سيما إذا كان الاختلاف في الفكر والتصور ، والعقيدة والمنهج ، ومن المشاهد المتكررة ، إن أبناء النسب يتقاتلون متى اختلفت عقائدهم وأهدافهم ، وتضاربت أفكارهم ومذاهبهم ، بينما يتعامل أبناء الدين والعقيدة ، ويتعاونون فيما بينهم وإن اختلفت أنسابهم وألوانهم ، وتغايرت أوطانهم ولغاتهم . ولأجل هذا أقام الإسلام أخوة البشر على الإيمان ، لأن الإيمان رابطة قوية ، تستولي على الروح والضمير ، فتجعله خاضعا لصوتها ، أضف إلى ذلك ، أنها لا تحد بالحدود النسبية واللونية ، ولا بالحدود القومية والوطنية ، ولا بالحدود الإقليمية والجغرافية ، وإنما تتجاوزها بحذافيرها وتشمل أقطار الأرض كلها ، لأنها تهدف إلى إقامة مجتمع بشري عالمي ، يسوده الإخاء والمودة . والى غد ان شاء الله سناتي على ذكر مقومات الأخوة الإسلامية :

لقراءة ردود و اجابات الأعضاء على هذا الموضوع اضغط هنا
سبحان الله و بحمده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Scroll to Top